الجميع شاهد مداخلة أسامة باريك تحت قبة البرلمان.. لكن هل فهم الجميع عمق الرسائل التي حملتها؟

بقلم: حمزة تكويت
مرّ يوم على أول مداخلة للنائب البرلماني أسامة باريك تحت قبة البرلمان، وما زال النقاش حولها مستمراً، بين من توقف عند طريقة إلقائها دون ورقة مكتوبة، ومن انشغل بعفويتها وجرأة طرحها. غير أن السؤال الأهم يظل: هل انتبه الجميع إلى عمق القضايا التي أثارها، وإلى الرسائل التي حاول إيصالها إلى الحكومة؟
فالمداخلة، بعيداً عن شكلها وطريقة تقديمها، فتحت النقاش حول إشكالات بنيوية تعاني منها مناطق واسعة من المغرب العميق، خاصة العالم القروي والمناطق الجبلية، حيث تختلف تفاصيل الحياة اليومية عن التصورات التي تُبنى عليها بعض البرامج والسياسات العمومية.
بين طموح البرامج الحكومية وواقع القرى والجبال
لم ينطلق باريك من رفض مطلق للبرنامج الحكومي، بل وصفه بالطموح، قبل أن يثير تساؤلات بشأن مدى استحضاره للخصوصيات المجالية والاجتماعية للمناطق القروية والجبلية.
فما تعتبره الحكومة تبسيطاً للمساطر الإدارية، خاصة في مجال البناء، قد يتحول في بعض المناطق إلى تعقيدات يصعب تجاوزها، بسبب طبيعة العقار وتشابك وضعياته القانونية.
وهنا وضع البرلماني يده على أحد الملفات الحساسة، وهو الوعاء العقاري غير المصفى، في ظل وجود أراضي الجموع، والنزاعات العقارية، والأراضي الواقعة داخل نطاق المنتزهات والمجالات المحمية، وهي وضعيات تطرح تحديات أمام البناء والاستثمار والتنمية المحلية.
الكهرباء.. حين تصطدم القرارات بخصوصيات الواقع
ومن بين النقط التي تستحق التوقف عندها، إثارته لمسألة الإعفاء من أداء فواتير الكهرباء بالنسبة إلى بعض الأسر، متسائلاً عن كيفية استفادة سكان المناطق التي تعتمد على العدادات ذات التعبئة المسبقة من هذا الإجراء.
وهو سؤال يتجاوز مسألة الكهرباء في حد ذاتها، ليطرح إشكالية أوسع: كيف يمكن ضمان استفادة جميع الفئات المستهدفة من الإجراءات الاجتماعية، رغم اختلاف أنماط الاستهلاك والعيش بين المدن والقرى؟
الفلاح الصغير والرحل.. فئات تحتاج إلى سياسات تراعي واقعها
ولم تغب الفلاحة عن المداخلة، إذ سلط باريك الضوء على معاناة صغار الفلاحين، خصوصاً الذين يمارسون الفلاحة المعيشية ويعتمدون على محاصيل محدودة لتأمين حاجيات أسرهم.
ودعا إلى مراعاة أوضاع هذه الفئات عند وضع برامج الدعم والحماية من المخاطر، خاصة في المناطق المعرضة للفيضانات والتقلبات المناخية.
كما أثار قضية الرعي والقطيع الوطني، مسلطاً الضوء على دور الكسابة الرحل، ومطالباً بالإنصاف في توجيه الدعم إلى الفاعلين الحقيقيين في هذا النشاط.
ما بعد المداخلة.. هل تتحول الأسئلة إلى حلول؟
قد يختلف المتابعون في تقييم أسلوب أسامة باريك وطريقة تقديمه لأول مداخلة برلمانية، لكن النقاش الذي أثاره يعيد إلى الواجهة سؤالاً أساسياً يتعلق بمدى ملاءمة السياسات العمومية للواقع المحلي.
فالرهان لا يتعلق فقط بقدرة البرلماني على إلقاء خطاب يلفت الانتباه، وإنما بمدى قدرته على متابعة الملفات التي يطرحها، وتحويل المطالب إلى مبادرات تشريعية ورقابية، ومدى تجاوب الحكومة معها بإجراءات ملموسة.
إن أهمية النقاش البرلماني لا تُقاس بعدد المشاهدات والتفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بما يفتحه من نقاش عمومي جاد، وما يمكن أن ينتج عنه من حلول للمشكلات اليومية للمواطنين.
لقد شاهد كثيرون مداخلة أسامة باريك، لكن الأهم من الإعجاب بطريقة إلقائها هو فهم مضمونها، ومتابعة ما إذا كانت الأسئلة التي طرحتها ستجد طريقها إلى أجوبة عملية.
فالعالم القروي لا يحتاج فقط إلى من يتحدث عن معاناته تحت قبة البرلمان، بل إلى سياسات تستوعب خصوصياته وتساهم في تحسين ظروف عيش ساكنته.

